Image and video hosting by TinyPic
في البدء كانت الإشارة ,,ثمّ الكلمة,,ثمّ تناثر الضجيج ,, فلم يعد للصّمت أذنا...?

 



المراة في الفكر الأنسني (2)

تشرين الثاني 9th, 2008 كتبها mamass نشر في , فكر

المرأة في الفكر الأنسني

بقلم/د حازم خيري

http://www.doroob.com/?author=1163

                 الجزء الثاني


دور المرأة فى بناء الذات الأنسنية:

                 

إن بناء الذات الأنسنية، طبقا لما جاء في كتاباتي السابقة، لا يعني سوى صياغتها بما يسمح لها بتحقيق أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقوالها وأفعالها، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين للأنسنية القائلة بالإنسان، رجلا كان أم امرأة، كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص العامة للأنسنية(19):

[1]          معيار التقويم هو الإنسان.

       [2] الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة.

        [3] تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها.

       [4] القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه. 

       [5] تأكيد النزعة الحسية الجمالية. 

 

وطبقا للمعيار الأنسني، يُعد الإنسان أنسنيا (ذاتا أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد الإنسان ذاتا حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتا مغتربة ثقافيا. فالشائع في المجتمعات المتخلفة ـ كما وضحنا سلفا ـ هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وباستخدام المعيار نفسه، يُعد آخرا كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافيا بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية. فتطور التاريخ الإنساني ـ طبقا لما انتهيت إليه في بحوثي ودراساتي ـ لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعا ثقافيا، استنادا لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فاحتياجات الإنسان ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات المادية، على خطرها وأهميتها. وأقول صراعا معقدا، لتعدد جبهاته وتداخلها…

 

فهناك الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر المدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كنهج حياة، وهو صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات المغتربة، يغذيه الآخر كما أسلفنا ويؤججه، فهو يُلقي في روع الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي لمحو هويتها الثقافية وهدر ثروتها العقلية..!!

 

على أي حال، واستئنافا للحديث عن المرأة ـ موضوع هذا المقال ـ، يؤكد كاتب هذه السطور قناعته بأن المرأة والرجل سواء أمام الاغتراب، وأن الآخر لا يفرق بينهما حين يعمد إلى تكريس إغترابهما الثقافي، عبر آليات لا تكل، أشرنا إليها سلفا. وكذلك يؤكد قناعته بأن المرأة المغتربة، فى كل مكان وزمان، تنوء بنير الاغتراب الثقافي، ويرعبها الواقع المؤلم الذى أفرزته آليات تكريسه، فتعمد إلى التماس ما يمكن تسميته بـالراحة السلبية فى كنف الاغتراب اللعين، وذلك عبر استسلامها الكامل للقناعة القائلة بدونيتها وخضوعها للرجل، شريكها فى الاغتراب، على أمل أن تحظى بعطفه! ورغم ذلك كله، تظل المرأة ـ من وجهة نظر كاتب هذه السطور وسواء كانت مغتربة أم غير مغتربة ـ أمل الأنسنيين المنشود في دق المسمار الأول فى نعش الاغتراب الثقافي والأخروية، وذلك عبر تخليها المأمول عن راحتها السلبية، واضطلاعها بمسئولياتها، على الأقل فيما يتعلق برفضها الدونية والخضوع الماكر للرجل، فناتج هذا الخضوع غالبا ما يكون علاقات غير صحية، على النحو الشائع، ولو بدت فى ظاهرها غير ذلك..!

 

 أعرف أن المرأة فى مجتمعاتنا ـ خاصة المرأة المغتربة ـ لا قبل لها فى أحيان كثيرة بالتصدى لهيمنة الاغتراب الثقافى، فهى حتى لا تدرك وجوده، فالأمر لا يعدو ـ عند أكثر النساء وعيا ـ كونه مجرد عادات وتقاليد قديمة راسخة، اصطلح عليها مجتمع يتسيده الذكور، وليس صراعا ثقافيا شرسا يعمد فيه الآخر، عربيا كان أم غير عربي، لتكريس الاغتراب الثقافي للذات العربية، رجلا كان صاحبها أم امرأة؟! أعرف جيدا..أعرف أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على المرأة المغتربة وهذا فكرها أن تتصدى للاغتراب الثقافي وأن تعمل على قهره؟! أعرف ذلك جيدا. ولكن ما يدعونى لمخاطبة حواء هو ما آلت إليه أوضاعنا، إذ لم يبق أمامنا ملاذ، بعد خروجنا المهين من التاريخ، لم يبق أمامنا سوى استنفار همم امهاتنا وأخواتنا وبناتنا وزوجاتنا، فهن بحكم اضطلاعهن بقسط وافر من تنشئة الصغار والنشء، وبحكم علاقاتهن بالرجل وقدرتهن النسبية على التأثير عليه، قادرات ـ لو أردن ـ على غرس بذور الأنسنية فى عقول الصغار، على الأقل فيما يتعلق بوجوب المساواة بين الرجل والمرأة، عسى أن يأتى يوم يدرك فيه كل من الاغتراب الثقافي والأخروية أنهما ليسا موضع ترحيب فى ربوعنا، فيحملا عصاتهما ويرحلا إلى غير عودة، وتشرق الشمس لأول مرة علينا كشعوب حرة تحب الحرية والعدالة والرحمة أكثر من خوفها من الموت..

 

المزيد


المرأة فى الفكر الأنسني

تشرين الثاني 3rd, 2008 كتبها mamass نشر في , فكر

المرأة فى الفكر الأنسني

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

                            د.حازم خيري

المرأة لا تُولد امرأة

وانما تُصبح إمرأة

         سيمون دى بوفوار

 

        كتب فولتير يقول: إن تقدم العقل بطيء بينما جذور الأفكار الفاسدة ضاربة فى العمق. هذه الجذور هى تحديدا ما أود أن أعرض له فى صدر هذا المقال وألفت النظر إليه، طالما أن أمر انتزاعها غير ميسر. والمسألة ـ كما سوف نلاحظ ـ تتطلب منا البحث والخوض فى أفكار وتصورات دفينة فى أذهاننا  ـ معشر البشر ـ تتعلق بالمرأة وعلاقتها بالرجل، فضلا عما تتطلبه من مناقشة جادة لمكانة المرأة فى الفكر الأنسني الذى لطالما تمنيت أن يجد له ملاذا آمنا فى ربوعنا، باعتباره السبيل ـ ربما الوحيد ـ المتاح أمامنا للعودة إلى التاريخ(1).

 

       أقول إن السعى الحثيث للتعرف على الأفكار والتصورات الدفينة فى أذهاننا، والتي تتعلق بالمرأة وعلاقتها بالرجل، والتى تشكل فى الوقت نفسه ميراثا،  يُعتد به فى رسوخه وصلابته، لابد وأن يشكل البداية المنطقية لمقال كهذا. فلنلتمس إذن إجابة شافية على السؤال التالي: كيف بنى العقل البشري فكرة النوع؟

 

ولكن..كيف السبيل لمثل تلك الإجابة الشافية؟! إنها تتطلب بالضرورة قدرا من الرصد والتحليل، لا يمكن أن يسمح به الحجم المقرر سلفا لهذا المقال، فالأرجح أننا فى حاجة لدراسة تُخصص بأكملها لذلك الغرض، أتمنى أن تُتاح لي الفرصه لانجازها فى المستقبل! وحتى ذلك الحين، أرانى قانعا بأن المخرج الوحيد من هذا المأزق هو الاكتفاء بعرض أحد النماذج التفسيرية، بشرط أن يعبر في مجمله عن المحاولات المبكرة لبناء العقل البشرى لفكرة النوع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لابد للنموذج المُختار أن يكون فلسفيا مدعما بالأسانيد العقلانية، تتفق فيه العديد من الأفكار الفطرية للشعوب البدائية حول هذا الموضوع..!

           لقد وضع لنا الفيلسوف اليوناني أرسطو واحدا من أقدم وأبرز النماذج التفسيرية لعملية التناسل وتحديد النوع. وهو نموذج فلسفى مدعم بالأسانيد العقلانية، تتفق فيه العديد من الأفكار الفطرية للشعوب البدائية حول هذا الموضوع. إضافة إلى أن نمط التفكير الأرسطي ليس فى واقع الأمر غريبا عن خطابنا الحديث، لاسيما العلمي منه، فمازلنا حتى الآن نجهل على وجه اليقين مكمن القدرة على تحديد النوع!! وقد استند كاتب هذه السطور فيما يقول للكتاب الرابع من مؤلفات أرسطو عن الجنس الحيوانى، الذى كتبه، ما بين عامي 330 و322 ق.م. وفيه ينطلق أرسطو من فكرة تضمنتها أعمال من سبقوه(2).

 

          إذ يقول أناكساجوراس إن الأب هو أساس عملية تحديد النوع. فالخصية اليمنى هي المسئولة عن إنتاج الذكور لأنها الأكثر حرارة. أما الإناث، فيأتين من اليسرى. بينما يرى أمبيدُقليس أن الأمر يعتمد على حرارة الرحم ودم الحيض، فتلك هي العناصر التي تتحكم في النوع ذكرا كان أم أنثى. وكما نرى في هاتين الحالتين، كلما زادت درجة الحرارة كانت الفرصة مهيأة أكثر لإنجاب الذكور.

 

       وقد انتقد أرسطو الفلاسفة السابقين عليه في بعض النقاط، وقال بأن مسألة البرهنة على أن البرودة تهييء الفرصة لكي يكون للجنين رحم وهو في أحشاء أمه ليست بالأمر الهين. ولكنه مع هذا يُقر بوجود فارق بين البرودة والسخونة، رغم افتراضه من ناحية أخرى عدم وجود تأثير للنطف على الجنين، فهى نفحة وقدرة خالصة. فالذكر هو من لديه القدرة على إنضاج الدم وتحويله بقوة الحرارة إلى نطف. فأرسطو يقول فى مؤلفه المذكور: فتصدر عنه نطفة تحوي أصل الشكل. ومن حيث المبدأ، نفهم أن الذكر ـ في رأي أرسطو ـ هو المحرك الأول سواء كانت الحركة ذاتية نابعة منه أو من كائن آخر، بينما الأنثى مجرد مادة ووعاء. وبما أن كل عملية إنضاج تحتاج إلى حرارة، وبما أن النطف هي النتيجة الخالصة لعملية إنضاج الدم، يكون للذكر إذا حرارة تفوق حرارة الأنثى. وبما أن الأنثى هي الأكثر برودة لتوفر الدم لديها بكميات أكبر فقد وجب أن تفقد بعضه وإلا أنتجت نطفا بدورها..!!

       هذا الفارق الجوهري بين السخونة والبرودة هو الذي يُبرر الفروق التشريحية بين الأعضاء التناسلية. فالعضو الساخن، يفرز خلاصة نقية بكميات صغيرة حتى تتمكن الخصية من تخزينها. أما العضو الآخر، البارد، الذي لا يستطيع أن يقوم بعمليات الإنضاج فيحتاج إلى جهاز أكبر هو الرحم فلكل جهاز قدراته التي تلائمه. ولكن إذا كان الرجل الذي يتمتع بالحرارة هو العنصر الغالب، فلماذا ينجب مع هذا إناثا، بل إناثا يشبهن الأمهات؟ يحدث هذا حينما لا يغلب الأساس الذكورى، فلا يكون للذكر القدرة على إنضاج الدم لنقص ما في الحرارة لا يتمكن من فرض شكله معه، فيصبح أدنى من أن يضطلع بمسئولياته فيتغير بالضرورة للضد كما يقول أرسطو. أي أن ميلاد الأنثى ينتج عن عجز جزئي فضد الذكر هو الأنثى! ويمكننا ـ طبقا لأرسطو ـ أن نتبين صحة هذا الأمر من بعض الحقائق.

 

       إذ ينجب الشباب والكهول إناثا أكثر من الذكور لأن الحرارة لا تكون بعد تامة لدى الشباب وتكون منعدمة لدى الكهول، فتصبح نُطفهم مجرد سائل رطب، فيما يُعد علامة على نقص الحرارة في أبدانهم. كذلك تتدخل بعض الأحوال المناخية، إضافة لطبيعة الطعام والماء، فحينما تكون باردة متجمدة فإنها تُهيئ الفرصة لإنجاب الإناث. إذ أن زيادة البرودة تزيد من صعوبة عملية الإنضاج وتحويل الدم إلى نطف، وهى مهمة الرجال. ولكنها كلها أسباب عارضة زائدة و تكميلية لأنه بمجرد تفعيل القدرة الذكورية فلن يتم إنجاب إلا الذكور. وفى هذا كتب أرسطو في مؤلفه المشار إليه سلفا يقول: إنجاب الإناث بدلا من الذكور يُعد أقصى حالات الخروج عن القاعدة. ولكنه أمر ضروري تفرضه الطبيعة فلابد من المحافظة على نوع الحيوانات، حيث هناك فارق بين الذكر والأنثى. وكل شيء يمكن أن يتغير. فإن تغير تحول إلى الضد. وفى عملية التناسل، ما ليس له الغلبة يتحول إلى الضد حسب طبيعة القدرة التي افتقدها العنصر المولد.

 

       ويميز الفيلسوف اليوناني أرسطو ثلاثة عناصر أساسية في القدرات الذكورية ممكن أن تتحول إلى الضد وهى القدرة التوليدية الذكورية التي تمنح الذكور، فان لم تكن غالبة كان الناتج أنثى. والقدرة الشخصية هي التي تعطي التفرد للذكر. فان لم تكن غالبة حمل الذكر ملامح الأم وليس الأب. فسواء غلبت القدرة التناسلية أم لا فهي تحدد النوع، بينما تحدد القدرة الشخصية ملامح الشبه سواء كانت غالبة أم لا. فان لم تكن غالبة بحيث لا تتمكن من تشكيل المادة الأنثوية فيكون الناتج أنثى تشبه الأم. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإلى جانب القدرة التوليدية والشخصية هناك القدرة الحركية. فالحركة التي تُشكل الجنين، دون أن يكون لها تأثير على تكوين مادته، قد تكون متصلة أو مرتخية. فإذا أضفنا ارتخاء الحركة، ضعفت أم اشتدت، إلى ضعف القدرة على الإتيان بها، فسر لنا هذا اكتساب الأطفال ملامح أجدادهم لأبيهم من دون ملامح أمهاتهم.

 

       وعلى هذا يكون النموذج الأمثل ـ من وجهة نظر أرسطو ـ هو أن تكون القدرة التناسلية هي الغالبة، فيكون الناتج ذكرا. وأن تسود القدرة الشخصية، فيشبه أباه. وأن تكون الحركة متصلة، فتتطابق ملامحه تماما مع الأب. فإذا حدث في أسوأ الأحوال ضعف في الحركة فسوف يشبه جده أو جده الأكبر لأبيه. أما النموذج الأدنى، فهو التالي: إذا ضعفت القدرة التناسلية يكون الناتج أنثى، ومع ضعف القدرة الشخصية تشبه أمها، فان كانت الحركة متصلة فنحن نفترض أن تشبه الأم بصفة خاصة. أما إن حدث ارتخاء في الحركة فستشبه الجدة أو الجدة الكبرى للأم. وثمة حالتان وسط بين هذه وتلك: فإن تدنت القدرة التناسلية الذكورية وسيطرت القدرة الشخصية، يكون الناتج أنثى تشبه الأب، وإن حدث ارتخاء في الحركة وحسب مداه فسوف تشبه جدها أو جدها الأكبر لأبيها. أما إذا غلبت القدرة التوليدية وانخفضت القدرة الشخصية، فسيكون الناتج ذكرا يشبه أمه، فان حدث ارتخاء في الحركة فسوف يشبه جدته أو جدته الكبرى لأمه.

 

ولكن أحيانا يُولد كائن لا يحمل أية ملامح بشرية بل حيوانية فقط، فيما يسمى المسخ، فما السبب في هذا؟ يقول أرسطو: حينما ترتخي الحركة ولا يتم السيطرة على المادة لا يتبقى في نهاية الأمر إلا الصفة العامة…، أي الحيوانية. ولا يجب أن يغيب عنا أن الحركة تأتي من الرجل، كذلك القدرة التناسلية والشخصية. أما المادة فهي الجانب الذي يخص المرأة. فإن تم السيطرة على مختلف القدرات واشتد ارتخاء الحركة فلا يبقى إلا المادة البهيمية الأنثوية أي المادة الحيوانية..!! فالمسخ المهجن يكاد يكون نسخة مستنسخة للأنثى، طبق الأصل للمادة التى تحكمها تلك النفحة. إنه عجز القدرة الرجولية، وجيشان القوى البهيمية الحيوانية للمادة، فلا يتبقى أى توافق فى علاقة القوى الحاضرة ويكون المسخ بالتالي نوعا من الإفراط الأنثوي الناتج عن المادة. اما بالنسبة للذكور فلا يوجد أى إفراط، وذلك بحسب قول أرسطو في كتابه المذكور.

 

       ذلك هو نموذج أرسطو التفسيري، الوارد فى الكتاب الرابع من مؤلفاته عن الجنس الحيواني، وضعه أرسطو فى نهاية مشواره، وهو يُرجع دونية المرأة وخضوعها إلى الأزلية البيولوجية! وربما لن تجد فيلسوفا آخر، ولا حتى هيجل نفسه، في أعماله ينطبق عليه تعريف هيجل للفلسفة بأنها عصرها ملخصا في الفكر مثلما ينطبق على أرسطو. أقول هذا لتعلم قارئي الكريم أن اختياري لنموذج أرسطو التفسيري، والقائل بأزلية خضوع المرأة والناظر إليها على أنها موجود مشوه، إنما يُعد ـ نظرا لايغاله فى القدم ـ من الأهمية بمكان، ولو أنه بطبيعة الحال لا ينسخ غيره من النماذج الأخرى التى تُرجع خضوع المرأة إلى أسباب دينية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو اقتصادية، أو ……إلخ.

 

       وقد يعن للقاريء الكريم، وهذا حقه، انتقاد اختيارنا لنموذج أرسطو التفسيري، استنادا إلى أن الفيلسوف اليوناني أرسطو يذهب في نموذجه المهم إلى أن المرأة أدنى من الرجل على اعتبار الوظيفة التي تنجزها وصفاتها المناسبة التي تجلت في المجتمع الأثينى. فالمجتمع الأثيني كان ـ بحق ـ مجتمعا حُرمت فيه المرأة من أي امتياز كما أنها كانت مقهورة تماما، لأنه مجتمع سيطر عليه الرجل سيطرة كاملة حتى أنه عادى المرأة ودورها الذي تلعبه، وأملى عليها الفضائل التي تتحلى بها. حقا اعتقد أرسطو في قدرة البيئة على تشكيل وتغيير الشخصية البشرية وقدراتها، غير أنه لم يهتم ـ وهو الأمر الغريب ـ بتطبيق هذه المعتقدات على النساء أكثر من تطبيقها على العبيد، فهو لم يهتم في الواقع إلا بالرجل الحر المترف، ثم أولئك الذين رآهم يحملون بطبيعتهم خصائص أدنى..!

 

أقول إنه على الرغم من وجاهة القول بخصوصية النموذج الأرسطي الذى عامل الغالبية العظمى من البشر على أنهم أدوات، ثم حكم عليهم بأنهم بالضرورة في مرتبة أدنى من الموجود البشري، يظل واضحا عجز أصحاب هذا الرأي عن افهامنا كيف أن عددا من الباحثين الذين درسوا مؤلفات أرسطو بطرق شتى ـ حتى هذه اللحظة ـ لا يشعرون أنهم مجبرون على اتخاذ موقف معارض للطريقة التي نظر بها الرجل إلى المرأة!! حتى أن أحدهم وهو الباحث جون فرجسون John Ferguson ذهب في كتاب أصدره عن أرسطو إلى أن أولئك الذين رفضوا نظرة أرسطو الدونية في السياسة للنساء، لابد من أن يتأكدوا من أنهم لم يعانوا من الأحكام المبتسرة المتبقية وهم يقدمون مساواة عملية ونظرية في آن معا(3)! وهو ما يعضد زعمنا بصدق تعبير النموذج الأرسطى عن قدم ورسوخ القناعة السائدة والقائلة بدونية جنس النساء وأفضلية جنس الرجال عليه، بغض النظر عن طبيعة الأسانيد المعضدة لتلك القناعة، سواء كانت أسانيد بيولوجية، كتلك التى أخذ بها أرسطو في نموذجه، أو كانت غير بيولوجية..

 

الهزيمة التاريخية الكبرى للمرأة:

 

       قارئي الكريم، ها أنا قد أثبت لك ولنفسي، من خلال العرض السابق لنموذج أرسطو التفسيري لعملية التناسل وتحديد النوع، أن القول بدونية المرأة وخضوعها للرجل ـ شأنه في ذلك شأن كافة الأفكار الفاسدة الأخرى ـ يضرب بجذور عميقة في أذهاننا ـ معشر البشر ـ، على اختلاف الأسانيد والحجج التى لطالما استُخدمت لتعضيد ذلك القول الجائر! بيد أن السؤال، المثير للحيرة والجدل، يظل مطروحا بقوة: تُرى هل اقترنت نشأة القناعة القائلة بدونية جنس النساء وأفضلية جنس الرجال عليه بخلق الانسان أم أنها نشأت فى لحظة تاريخية لاحقة على خلق الانسان، تلك التى يسميها البعض لحظة الهزيمة التاريخية الكبرى للمرأة، ثم أخذت منذ ذلك الحين تزداد عمقا ورسوخا فى الذهنية البشرية، وهو ما أغرى الكثيرين، ومنهم الفيلسوف اليوناني أرسطو، لا حقا بمحاولة تعضيدها ـ أقصد تعضيد تلك القناعة الوليدة ـ بشتى الأسانيد والحجج على اختلافها؟!

 

       أعتقد أن تكوين رأي قاطع حول ما إذا كانت نشأة القناعة القائلة بدونية جنس النساء وأفضلية جنس الرجال عليه قد اقترنت بخلق الانسان، يُعد أمرا من الصعوبة بمكان، بل هو درب من دروب المستحيل، إن لم يكن هو المستحيل نفسه! وكيف لا؟! وآدم وحواء كانا وحدهما فى فجر البشرية، وليس لإنسان أن يعرف على وجه اليقين ما دار بخلدهما آنذاك حول طبيعة العلاقة بينهما ـ أقصد طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ـ وكذا ليس لإنسان أن يعرف كيف نظما دوريهما فى الحياة؟ وهل كانت العلاقة بينهما علاقة الند للند أم كانت علاقة التابع (المرأة) بالسيد (الرجل)؟ الله وحده يعلم على وجه اليقين ما دار بينهما!

 

الحق أن السرد الديني لقصة بدء الخليقة، والذى يتشابه إلى حد يُعتد به فى  الكتب التى جاءت بها الأديان السماوية، وأعنى بها هنا الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) والقرآن الكريم، يُعد المصدر الأكثر قبولا وثقة من جانبنا معشر البشر فى التعرف على أحداث تلك الفترة المبكرة جدا من تاريخ البشرية وطبيعة علاقة آدم بحواء، باعتبار أن تلك الكتب هى كلمة الله إلى الإنسان، مع ضرورة الأخذ فى الاعتبار أن السرد القرآني لقصة بدء الخليقة، وعلى خلاف السرد التورا

المزيد






وبينما كنت أحتضر
أنزف حتى الموت
كانوا يقولون
"لكن هذه قصيدة نثر
هذا ليس شعرا ، هذا نثر"
وهكذا مت أنا

لويس دوديك