في حين نجدُ كتابا غربيين بل يهود (مثل روبرت فيسك، وماري فويس، وكاسيلرز) يشنون حملةً شعواء على إسرائيل ووحشيتها وهمجيتها ويصرحون بأن للمقاومة حقها المشروع، يشن إخواننا الكتاب والمثقفين حربا شرسةً على المقاومة الفلسطينية!
تتبنى هذه الحرب في مجملها ثلاث أفكار رئيسية:
الفكرة الأولى: أنَّ صواريخ المقاومة هي السبب المباشر فيما حدث لغزّةَ!
الفكرة الثانية: أنّ المقاومة الفلسطينية إنّما تسعى إلى السلطة من جهة، وتحقيق أجندة خارجية من جهة، وكل ذلك على حساب الفلسطينيين غير عابئة بأرواحهم!
الفكرة الثالثة: أنَّ المقاومة الفلسطينية لا تشكر جميلا ولا تحفظُ معروفا، وأنّها تستلم تبرعاتِ الدولِ بيد وترجمهم بحجارة التخوين باليد الأخرى!
تفضي هذه المقولات إلى حقيقةٍ واحدةٍ هي أنَّ خيار المقاومة المسلحة خيار خاطئ من كل جهةٍ. وأن الحلّ –كما قال أحدهم- يكمنُ “في العقل والحكمة والسياسة الواعية المنضبطة، بعيدا عن الشعارات والهتافات الفارغة التي تضرّ أكثر مما تنفع”.
من العبثِ أن يصدق عاقل أن أولئك المقاتلين الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم، واصطفوا في طوابير الشهادةِ منذ عشرات السنين هم طلاب سلطة! نحن نفهم أن يكون الفارون من المعتركِ، والذين يعيشون في الرفاهيةِ يجنون الملايين، والذين يكتفون بالتصريحات وهم آمنون، نفهم أن يكونوا طلاب سلطة.. لكنْ كيف يكون طالبَ سلطةٍ من يشرع صدره للموتِ، ويطلبُ الشهادة بابتسام؟كيف للمقاومة أن تكون باحثةً عن سلطةٍ وكل قياداتها بلا استثناء نالت الشهادةَ أو تعرضت لمحاولة اغتيال؟
وكيف تكون ذات أجندة إيرانية وهي التي جاءت بطوعها إلى صلح مكةَ، تلك الخطوة التي أغضبت إيران غضبا شديدا لأنّها أعطت للسعودية شرف السبق؟
وأمّا المنُّ على إخواننا بتبرعاتِنا، والغضب إذا اشتكوا من بعض تقصيرنا، فلا أجد لها مثلا إلا طالبا كلف بثلاثة واجبات، فأنجز واحدا منها على وجهه وأغفل اثنين، فلما لامه أستاذُهُ على ترك الواجبين غضب وقال: ألا يكفيك أنني حللت الواجبَ الأول بإتقان!!حسنا.. لقد تبرعنا.. وأردنا بذلك وجه الله لا شكر الناس.. وقد شكرَنا إخواننا مع ذلك علنا ورحبوا بوقفتنا، لكنهم عتبوا علينا أننا تركناهم يموتون ويقتلون وقد كان بوسعنا أن نفعل أشياء كثيرة.هل أخطئوا؟!! لا أظن!! ولكن هكذا يظنُّ من يمنُّ على الناس بما أعطاهم.. بل بما أعطاهم غيره!!
وأمّا فكرة أن صواريخ المقاومة هي سبب المشكلة.. فمناقشتها تحتاج إلى مقارنة تاريخية.
مقارنة تكشف الحقيقة
لنبدأ نقاشنا في هذه المقارنة التاريخية بين ما حدث قبل اثنتين وأربعين سنة وما يحدث الآن.
في حرب 67 تمكّنت إسرائيل من تدمير كامل سلاح الجو الأردني
ومعظمِ السلاح الجويّ السوري
وعددٍ كبيرٍ من طائراتِ الجيش العراقي
واستولت على منابع النفط في سيناء
وسيطرت على منابع مياه الأردن
وتحكمت في خليج العقبة
واكتشف العربُ أنّهم خسروا –في خمسة أيام فقط- عشرة آلاف شهيد وجريح، وخمسة آلاف أسير، وأنّه قد شُرّد نحو 330 ألف فلسطيني!!
وأن إسرائيل قد احتلت أراضي من خمس دول عربية هي: مصر (شبه جزيرة سيناء وغزة)، وسوريا (هضبة الجولان والحمة)، ولبنان (مزارع شبعا)، والأردن (الضفة الغربية والغور)، والسعودية (جزيرتا تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة).. وأنّ ما احتلته إسرائيل في تلك الحرب ضاعف مساحتها ثلاث مراتٍ!! وأبشع من هذا كله.. ضاعت القدس!!
لم تكن إسرائيل وقتها في مواجهةِ الفلسطينيين وحدهم بل واجهت العرب جميعا.. ومع تفوق ميزان القوى لصالح العرب كان ما كان.. وشهد الخامس من يونيو 1967م حرب لم تدم أكثر من خمسةِ أيام، ضاع فيها كل شيء!!
انتهت المقاومة
وانكسرت الجيوش
واستسلم الجميع!!!
واليوم.. ها نحنُ في عاشر يومٍ من أيام حرب غزةَ الغاشمة..
الحرب التي لم تتصد لها إلا المقاومة الفلسطينية دون أن يكون لها عون عسكريٌّ من أيِّ جهةٍ خارجية.
الحرب التي كانت فيها الأنظمة العربية عونا على المقاومة الفلسطينية.
الحرب التي كان فيها بعض الفلسطينيين عونا على إخوانهم حتى أنهم صرحوا بأنهم (جاهزون) لملء الفراغ السياسي الذي سيحصل بعد العدوان!!!
الحرب التي لعب













