قراءة في المجموعة القصصية
طفولة مزمنة \ لناصر الريماوي

ناصر الريماوي عرفته من خلال قراءتي لعدد من نصوصه القصصية، وقد أثار انتباهي أسلوبه المميز فهو مبدع متمكن من أدواته، ومتجدد لا يكرر نفسه، كما أن نصوصه تمتاز بالعمق والمتعة والسلاسة، فلن تجد صعوبة في الاستمتاع بكتاباته، لدرجة الحميمية ، بل تحفزك على الشغف بها، وهذا ما يجعل كتابات ناصر الريماوي في متناول القاريء العادي والمتخصص .
طفولة مزمنة مجموعة قصصية لهذا المبدع الجاد، تتناول نصوصها عوالم خاصة بالطفولة وأزماتها الداخلية، وهذا يظهر من خلال عنوان المجموعة كمدخل للبعد الرمزي والدلالي للنصوص، حيث نكتشف من خلال الحوار الداخلي للطفل مدى معاناته لعالم باهت وغريب "عالم الكبار" إلى جانب عالمه الذي يعتمد على الخيال الإبداعي بحيث نجد عالم الكبار فقد الكثير من هذا الجانب، ومن هذا الحدث تتكون أزمات داخلية \ نفسية، تتفاقم مع المد الشاسع لعالم خاص، وهش، غالبا ما يكون وعي الآباء به غائب تماما، مما يخلق معاناة وأزمات تؤثر على الطفولة، وتتسبّب في انكساراتها الداخلية .
المجموعة يجمعها خط واحد، يطرحه الكاتب بأسلوب شيق وشاق في نفس الوقت فهو لا يقدم عملا مباشرا، لكنك تندهش للحبكة واللغة الشعرية التي تمتاز بالإيحاءات، مما يزيد في إغناء النص، ويحفزك لقراءة النصوص، و متابعة هذا الكاتب الجاد في سعيه للوصول إلى شخصية.. مبدعة.. متفردة !.
في هذه المجموعة يشدك الكاتب إلى طفولتك من خلال استعادة أحزانك الصغيرة القابعة هناك بصمت.. و حسرة .. وعناء، إننا فعلا لم نحاول التعبير عن صرختنا في وجه الكبار، لنقول لهم كفى! فهذه الرغبة تصبح كبيرة كلما كبرنا، فهل كان ناصر الريماوي يعبر في نصوصه عن هذه الرغبة المشتركة ؟.
لقد قادنا لهذه الثورة الصغيرة للدفاع عن عالم مدهش. عن أحلامنا الصغيرة، والكشف عن غربتنا، حين يتعامل هذا العالم مع خيالنا بمزيد من الاستغراب، والإهمال أيضا. نختبئ خلف هذا الحلم، ونحرص أن لا يعتدي على شفافيته عالم يتخبط غالبا في الغربة والجهل والمُوات، وفي نفس الوقت نتذكر كم من المعاناة عجنت وعصفت بوعينا الصغير ؟ .
هذه التجاوزات التي تقع باسم التربية، وباسم الحماية من الأذى، ثمّ التعاويذ التي كانت دائما تحتل أجسادنا، مثل شيطان الآلهة الشريرة، وتنتشر كوابيسها هناك في نومنا وصحونا، ونقاتل من أجل هذه الأخطاء التي لم نرتكبها.
فالآلهة الصغيرة البريئة تحتاج لمزيد من الضوء، كي تعلن ألواح الحقيقة، في صفحة حلم بيضاء من الشمس، ففي هذه المرحلة تكون البداية الحقيقية سواء للتألق أوللإحباط في تكوين الشخصية.
المجموعة تتناول أيضا علاقة الطفولة بالأرض والصراع الإنساني، والتشوه الذي أدمى تاريخ البشرية، كما في "جدار من طين \ وعروق الدالية " و الإشكالية القائمة بين الخيال الشاسع للطفل وبين مُوات هذا الجانب عند الكبار، كما ذكرت سابقا، حيث تتفاقم غربة الطفولة، فجاءت النصوص عبارة عن صرخة احتجاج، فالاحتجاج ظاهرة صحية ضد كل التعسفات التي ظلت تغلي داخلنا بركانا، دون أن نفجرها ذات عناء، كما فعل ناصر الآن، لقد فجر هذا البركان النائم في داخله وداخلنا ، إننا هنا نجرُؤ على الكلام, نبوح بما يثقل كاهلنا الطفولي, إنها صرخة رائعة لاحترام حقوق الطفولة بأن تمارس حرية الخيال، وتأخذ نصيبها من الأمان والرعاية الواعية، وأن تجد صدرا لاستعابها، وعدم الحكم على خيالنا ودهشتنا بالموت، دون الالتفات إلى هذه الجريمة ،هنا تأتي الصرخة قوية ولو على صفحة بيضاء!.
أقول خيالنا ودهشتنا، لأن هذا المبدع نجح في أن يجعلنا ذاك الطفل، لدرجة التماهي مع شخصيته، و هذا ما قصدته بالحميمية، فأصبحنا نحس أننا ذاك الطفل، لأننا فعلا كنا ذات يوم ذلك الطفل .
المجموعة عالم مدهش يشتغل على تعدد البنيات السردية، وتنامي الحدث الجمالي بفنية وقدرة تشهد للمبدع، ثم جانب اللغة وأبعادها السيميائية تعطينا تأويلات عديدة لقراءة النصوص، وهنا يظهر جليا، تعددا في تشكيل البنية واللعب المتداخل للزمن، مما يحمل عنصر المفاجأة والدهشة، والتنقل دون أن يؤثر ذلك في المتن وسلاسة النص، ثم الانفتاح السردي الذي يجعل القاريء جزء من اللعبة الإبداعية، ممّا يميز أسلوب هذا المبدع الحداثي، ثم الحبكة المتقنة، كما تمتاز الصورة الفنية بلغة شعرية تنقل بعمق الومضة والكثافة التي تعتبر من أهم دعائم القصة القصيرة، كي تصل النصوص لهدفها .
طفولة مزمنة تنثر عالما مدهشا ، وفي نفس الوقت تحمل عناء طفوليا، وهو الهدف الأساسي لموضوع المجموعة حيث نرى الطفل ….. يسرد معاناته في مونولوج داخلي، حاول ناصر الريماوي من خلال هذه الأداة، أن يدخلنا إلى عالم ساحر ومزمن, عالم لطفولة مدهشة، وأطياف تشبه أطياف السحرة والعفاريت، لكن السحرة هم الكبار، بكل ما يحملون من خوف وجهل يثقل كاهل الطفولة، ويحوّل عالم الدهشة والحلم إلى عالم كله كوابيس، مليء بالرعب والتمائم والسوداوية كما في قصة " قطار المساء" .
وحين أقول عالما مدهشا، فإنني أتحدث هنا عن الجانب الموازي للمعاناة، والذي
يكتشفه الطفل النائم بداخلنا، حين نقرأ هذه النصوص، ويعبر عنه الكاتب بشكل
يبعث على دهشة أخرى لمستوى النص .
ناصر الريماوي يدخلنا إلى عالم بهذه الكثافة الفنية ، والواقعية ، والإثنان لا ينفصلان ، بل يقدمان صورة فنية عميقة، حتى نصل إلى الهدف المعرفي للنص، وكذلك الرموز التي يتخذها كهاجس نحو الارتقاء إلى معنى هذه الطفولة بكل أزماتها .
وإذا استعرضنا في عجالة هذه النصوص، نجد القصة الأولى :
1 "جدار من طين"
هنا رائحة الماء والطين، تلك الرائحة التي تحمل معاني كثيرة لكل واحد منا، هذه العلاقة الأبدية التي لا ينهيها سوى المثول الأبدي بين ذرات التراب، هنا في هذا النص يحضر كل هذا الحنين بجمل سلسة \ شاعرية , هنا الأرض والبيوت الطينية والمقبرة وريهام البعيدة القريبة من الروح، ثم النافذة الرمز الوحيد الذي يربط البطل بريهام، وما عسى أن تمنح هذه النافذة للحلم، إنها تشبه الكوة التي تعينك على تحمل الحزن والألم في انتظار شيء مّا،
يقول الطفل:
أنا عني لم أصحُ إلا على ليل يقف وراء ستارة النافذة الصغيرة، كان والدي يشير إلى خيط غير موصول من خلال النافذة لكنه مضاء وسط المساحة البعيدة المظلمة،
ثم يهمس في أذني: من تلك الطريق ستأتي ” ريهام ” ذات يوم
ريهام الوجع والانتظار والحلم لكنها عودة بلا محاولة ليظل الإنتظار هو الإنتظار !!
ثم يضيف
سألت والدي ذات ليلة، هل نحن بعيدون جداً عن ” ريهام”… ؟ ظل صامتا
الصمت هو دائما التعبير عن الحسرة فالأرض والعودة ستظلان الأمل المضيء وسط
المساحة البعيدة المظلمة، إنه الحلم والضوء الذي لا ينطفئ، هنا يحضر وعي الطفولة بالأرض ومعنى الأمل في حق العودة الذي ستتوارثه الأجيال القادمة، فهي من سيصنع تاريخا جديدا للأرض ؟؟
ثمّ نجد اللعب بالزمن كبطل يفرض وجوده في قصة تتداخل فيها الرموز بشكل يجعل القاريء يعيد قراءة النص أكثر من مرة، خصوصا هذه الخيبة التي أصابت كبرياء الطفل، وتدفقت وراءها مزاريب من الحزن والألم وكسر الأمل، خصوصا أن الأب غادر معلنا انه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ